العيني

5

عمدة القاري

ويؤيده قراءة الناس : وهو آدم ، عليه السلام من قوله تعالى : * ( ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ) * ( طه : 511 ) . وقيل : * ( من حيث أفاض الناس ) * ( البقرة : 991 ) . أي : سائر الناس غير الحمسن . وقال ابن التين : وهو الصحيح ، وقال الزمخشري فإن قلت : فكيف موقع : ثم ، يعني في قوله : * ( ثم أفيضوا ) * ( البقرة : 991 ) . لأن ثم تقتضي المهلة ؟ قال تعالى : * ( فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) * ( البقرة : 991 ) . ثم قال : * ( ثم أفيضوا ) * ( البقرة : 991 ) . والإفاضة من عرفات قبل المجيء إلى المشعر الحرام . وأجاب الزمخشري : بأن موقع : ثم ، نحو موقعها في قولك : أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم ، تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم والإحسان إلى غيره ، وبعدما بينهما ، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات . قال : * ( ثم أفيضوا ) * ( البقرة : 991 ) . لتفاوت ما بين الإفاضتين وأن إحداهما صواب والثانية خطأ ، وأجاب غيره بأن : ثم ، بمعنى الواو ، واختاره الطحاوي . وقيل : لقصد التأكيد لا لمحض الترتيب ، والمعنى : فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ، ثم اجعلوا الإفاضة التي تفيضونها من حيث أفاض الناس ، لا من حيث كنتم تفيضون . وقال الخطابي : تضمن قوله تعالى : * ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) * ( البقرة : 991 ) . الأمر بالوقوف بعرفة ، لأن الإفاضة إنما تكون عن اجتماع قبله . قوله : ( فدفعوا إلى عرفات ) بلفظ المجهول أي : أمروا بالذهاب إلى عرفات حيث قيل لهم : ثم أفيضوا ، وفي رواية الكشميهني : ( فرفعوا ) بالراء ، وفي رواية مسلم من طريق أبي أسامة عن هشام رجعوا إلى عرفات ، والمعنى : أنهم أمروا أن يتوجهوا إلى عرفات ليقفوا بها ثم يفيضوا منها . ذكر ما يستفاد منه فيه : الوقوف بعرفة وهو من أعظم أركان الحج ، ثبت ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله . أما فعله : فروى الإمام أحمد : حدثنا روح حدثنا زكرياء بن إسحاق أخبرنا إبراهيم بن ميسرة أنه سمع يعقوب بن عاصم بن عروة يقول : سمعت الشريد يقول : أشهد لوقفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات ، قال : فما مست قدماه اورض حتى أتى جمعا ، والشريد بفتح الشين المعجمة وكسر الراء : ابن سويد الثقفي ، وقال الطبري : حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن ربيعة عن أبيه ، رجل من قريش ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقف بعرفة موضعه الذي رأيته يقف فيه في الجاهلية . وأما قوله : فرواه الترمذي من حديث علي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنه ، قال : ( وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال : هذه عرفة وهو الموقف ، وعرفة كلها موقف . . . ) الحديث . وروى ابن حبان في ( صحيحه ) من حديث جبير بن مطعم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل عرفات موقف ، فارفعوا عن عرنة ، وكل مزدلفة موقف فارفعوا عن محسر ، وكل أيام منىً منحر وفي كل أيام التشريق ذبح ) . وفي هذه الأحاديث تعيين عرفة للوقوف ، وأنه لا يجزي الوقوف بغيرها ، وهو قول أكثر أهل العلم . وحكى ابن المنذر عن مالك أنه يصح الوقوف بعرنة ، بضم العين والنون ، والحديث المذكور حجة عليه ، وحد عرفة ما رواه الأزرقي في ( تاريخ مكة ) بإسناده إلى ابن عباس ، قال : حد عرفة من قبل المشرق على بطن عرنة إلى جبال عرنة إلى وصيق إلى ملتقى وصيق إلى وادي عرنة . ووصيق ، بفتح الواو وكسر الصاد المهملة بعدها ياء آخر الحروف وفي آخره قاف ، وقال الشافعي في ( الأوسط ) من مناسكه : وعرفة ما جاوز بطن عرنة وليس الوادي ولا المسجد منها إلى الجبال المقابلة مما يلي حوائط ابن عامر وطريق الحضن ، وما جاوز ذلك فليس بعرفة ، و : الحضن ، بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة المفتوحتين . وابن عامر هو عبد الله بن عامر بن كريز ، وكان له حائط نخل وكان فيها عين . قال المحب الطبري : وهو الآن خراب . وقال ابن بطال : اختلفوا إذا دفع من عرفة قبل غروب الشمس ولم يقف بها ليلاً ، فذهب مالك إلى أن الاعتماد في الوقوف بعرفة على الليل من ليلة النحر ، والنهار من يوم عرفة تبع ، فإن وقف جزأ من الليل أي جزءٍ كان قبل طلوع الفجر من يوم النحر أجزأه ، وقال أبو حنيفة والثوري والشافعي : الاعتماد على النهار من يوم عرفة من وقت الزوال والليل كله تبع ، فإن وقف جزأً من النهار أجزأه ، وإن وقف جزأً من الليل أجزأه ، إلاَّ أنهم يقولون : إن وقف جزأ من النهار بعد الزوال دون الليل كان عليه دم ، وإن وقف جزأ من الليل دون النهار لم يجب عليه دم ، وذهب أحمد بن حنبل إلى أن الوقوف من حين طلوع الفجر من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من ليلة النحر ، فسوى بين أجزاء الليل وأجزاء النهار . وقال ابن قدامة : وعلى من دفع قبل الغروب دم في قول أكثر أهل العلم ، منهم عطاء والثوري والشافعي وأبو ثور ، وأصحاب الرأي . وقال ابن جريج : عليه بدنة ، وقال الحسن بن أبي الحسن : عليه هدي من الإبل ، فإن دفع قبل الغروب ثم عاد نهارا فوقف حتى غربت الشمس فلا دم عليه ،